سلسلة دراسة الذبائح טֶבַח والتقديمات (16) من الطقوس إلى الذبيحة الروحية جـ2
الذبيحة טֶבַח – ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω
Sacrifice 166 – Sacrifices 142 – Sacrificing 12
16 – تابع مقدمـــــــــــــــة عامة
ب : العهد القديم – ثالثاً : من الطقوس للذبيحة الروحية
(2) أولوية الديانة الباطنية
للرجوع للجزء السابق أضغط : هنـــــــــــــــا
(1) أولوية الديانة الباطنية : حينما أندمج الشعب في حرفية الطقوس ، وعلى الأخص الكهنة ، إذ تعلَّقوا بالرتبة الطقسية مع إهمال العلامة المتعلَّقة بها . ومن هنا أتت تحذيرات الأنبياء الذي أعلنوا صوت الله وتوبيخه بسبب ذلك الانحراف !!!
وقد نُخطئ أحياناً في تبين نية الأنبياء ونظن أنهم يلغون الطقس ، ولكن في الحقيقة ، إنهم لا يشجبون الذبيحة في ذاتها ، ولكن ينددون بالانحرافات الطارئه عليها ، وعلى وجه الخصوص الممارسات الكنعانية الدخيلة :
+ " شعب يسأل خشبة ، وعصاه تخبره لأن روح الزنى قد أضلَّهم ، فزنوا من تحت إلههم ، يذبحون على رؤوس الجبال ويبخرون على التلال تحت البلوط واللُبْنى والبطم ( شجرة برية صغيره الورق صمغها قوي الرائحة ) لأن ظلها حسن ، لذلك تزني بناتكم وتفسق كناتكم " ( هوشع 4: 12 – 13 )
فكثرة الطقوس وتشعبها ليست في حد ذاتها تمجيداً لله ، بل إن هذا التعدد لم يوجد في السابق : " هل قدمتم لي ذبائح وتقدمات في البرية أربعين سنة يا بيت إسرائيل " ( عاموس 5: 25 ) ؛ " لم تحضر لي شاة محرقتك ، وبذبائحك لم تُكرمني ( تُمجدني ) . لم أستخدمك ( ألزمتك ) بتقدمه ، ولا أتعبتك بلبان ( لبان البخور ) . لم تشترِ لي بفضة قصباً وبشحم ذبائحك لم تروني ( أرويتني ) ، لكن استخدمتني ( ألزمتني ) بخطاياك وأتعبتني بآثامك " ( إشعياء 43: 23 – 24 )
" لأني لم أكلم آبائكم ولا أوصيتهم يوم أخرجتهم من أرض مصر من جهة محرقة وذبيحة ، بل إنما أوصيتهم ( أمرتهم ) بهذا الأمر قائلاً : اسمعوا صوتي فأكون لكم إلهاً وأنتم تكونون لي شعباً وسيروا في كل الطريق الذي أوصيكم به ليحسُن إليكم ( يطيب إليكم ) ، فلم يسمعوا ولم يميلوا أُذنهم ، بل ساروا في مشورات وعناد قلبهم الشرير وأعطوا القفا لا الوجه ( أداروا لي ظهورهم لا الوجه ) " ( إرميا7: 22 – 24 )
+ فالطقس وعلى الأخص الذبيحة ، إذا تجردت من استعدادات القلب ، تنقلب عملاً باطلاً ورياء ، إذ تتحول للشكل والصورة ، فضلاً على أنها تُغضب الله إذا صاحبها مشاعر كلها شرّ ، وأفكار ملوثة بالخطية وسلوك منافي لوصية الله !!!
+ " هلم إلى بيت إيل ( اذهبوا إلى بيت إيل ) وأذنبوا إلى الجلجال وأكثروا الذنوب … " ( عاموس4: 4و5 )
+ " لماذا لي ( ما فائدتي – ماذا استفيد من ) كثرة ذبائحكم يقول الرب . أتخمت ( شبعت ) من محرقات كباش وشحم مسمنات ، وبدم عجول وخرفان وتيوس ، ما أُسرّ ( لا يرضيني ) حينما تأتون لتظهروا أمامي ( تعبدوني ) ، من طلب هذا من ايديكم أن تدوسوا دُوري ( دياري – بيتي ) . لا تعودوا تأتون ( إليَّ ) بتقدمة باطلة ، البخور ( الرجس ) هو مكرهة لي ، رأس الشهر والسبت ونداء المحفل ، لست أطيق الإثم والاعتكاف ، رؤوس شهوركم وأعيادكم بغضتها نفسي وصارت عليَّ ثقلاً مللت حملها ، فحين تبسطون أيديكم أستر عيني عنكم ، وإن أكثرتم الصلاة لا أسمع ، أيديكم ملآنة دماً ، اغتسلوا تنقوا ( تزكوا ) ، اعزلوا ( أزيلوا ) شر أفعالكم من أمام عيني ، كفوا عن فعل الشرّ " ( إشعياء 1: 11 – 16 )
ويُركز الأنبياء بشدة ، بحسب بلاغتهم في اللغة ، على أولوية النفس في علاقة طاعة تنعكس على سلوكها اليومي ، فتستقيم الحياة وتنشأ علاقة حية سوية مع الله : " وليجر الحق كالمياه والبرّ كنهرٍ دائم " ( عاموس5: 24)
" إني أُريد رحمة لا ذبيحة ، ومعرفة الله أكثر من محرقات " ( هوشع6: 6 )
" قد أُخبرك أيها الإنسان ما هو الصالح ، وماذا يطلبه منك الرب ؛ إلا أن تصنع الحق وتحب الرحمة وتسلك متواضعاً مع إلهك " ( ميخا6: 8 )
ولنا أن نعرف أن الأنبياء لا يضيفون شيئاً جديداً أو يشرحوا أصول العبادة بطريقة جديدة ، لأن تعليمهم ليس إلا امتداد لنفس التعليم الذي خُطْ في عهد سيناء :
+ " فالآن إن سمعتم لصوتي وحفظتم عهدي تكونون ليس خاصة من بين جميع الشعوب . فأن لي كل الأرض " ( خروج19: 5 )
+ " وأخذ كتاب العهد وقرأ في مسامع الشعب : فقالوا كل ما أتكلم به الرب نفعل ونسمع له ، وأخذ موسى الدم ورش على الشعب وقال هوذا دم العهد الذي قطعه الرب معكم على جميع هذه الأقوال " ( خروج 24: 7 – 8 )
وهذا التعليم تقليد ثابت لا يتغير ومحفوظ لكل زمان :
+ " فقال صموئيل : هل مسرة الرب بالمحرقات والذبائح كما باستماع صوت الرب ، هوذا الاستماع أفضل من الذبيحة ، والإصغاء أفضل من شحم الكباش " ( 1صموئيل 15: 22 )
+ " وقد علمت يا إلهي أنك أنت تمتحن القلوب وتُسرّ بالاستقامة . أنا باستقامة قلبي انتدبت ( تبرعت ) بكل هذه ، والآن شعبك الموجود هنا رايته بفرح ينتدب ( يتبرع ) لك " ( 1أيام 29: 17 )
+ " ذبيحة الأشرار مكرهة الرب وصلاة المستقيمين مرضاته " ( أمثال 15: 8 )
+ " فعل العدل والحق أفضل عند الرب من الذبيحة .. ذبيحة الشرير مكرهة فكم بالحري حين يقدمها بغش " ( أمثال 21: 3 و 27 )
+ " بذبيحة و تقدمة لم تسر – أُذني فتحت – محرقة و ذبيحة خطية لم تطلبحينئذٍ قلت هنذا جئت بشرت ببر في جماعة عظيمة . هوذا شفتاي لم أمنعهما أنت يا رب عَلِمْتَ " ( مزمور 40: 7 – 9 )
+ " وللشرير قال الله : ما لك تُحدث ( وتروي ) بفرائضي وتحمل عهدي على فمك وأنت قد أبغضت التأديب وألقيت كلامي خلفك ( ورائك – أهملت أن تعيش بها ) ، إذا رأيت سارقاً وافقته ، ومع الزناة نصيبك " ( مزمور 50: 16 – 23 )
+ " أُسبح اسم الله بتسبيح وأُعظمه بحمد فيُستطاب عند الرب أكثر من ثور بقر ذي قرون وأظلاف ، يرى ذلك الودعاء فيفرحون وتحيا قلوبكم يا طالبي الله " ( مزمور 69 : 30 – 32 )
+ " الذابح من كسب الظلم يُستهزأ بتقدمته ، واستهزاءات الأثماء ليست بمرضية ، الرب وحده للذين ينتظرونه في طريق الحق والعدل ، ليست مرضاة العلي بتقادم المنافقين ولا بكثرة ذبائحكم يغفر خطاياهم ، من قدم ذبيحة من مال المساكين فهو كمن يذبح الابن أمام أبيه … واحد صلى والآخر لعن فأيهما يستجيب الرب لصلاته ، من اغتسل من لمس ميت ثم لمسه فماذا نفعه غسله ، كذلك الإنسان الذي يصوم عن خطاياه ثم يعود يفعلها من يستجيب لصلاته وماذا نفعه اتضاعه " ( سيراخ 34: 21 – 31 )
وفي الواقع أن تقديم الذبيحة الباطنية أي من دخل القلب قبل الخارج ، ليست بديلاً عن تقدمة العبادة الخارجية ، بل هي الجوهر والأساس :
+ " لأنك لا تُسر بذبيحة وألا فكنت أُقدمها . بمحرقة لا تَرضَى . ذبائح الله هي روح منكسرة ، القلب المنكسر والمنسحق يا الله لا تحتقره . أحسن برضاك إلى صهيون ، ابن أسوار أورشليم ، حينئذٍ تُسرّ بذبائح البرّ محرقة وتقدمة تامة حينئذٍ يصعدون على مذابحك عجولاً " ( مزمور51: 16 – 19 )
وهذه الذبيحة الباطنية هي جوهر الطقس الحقيقي : " من حفظ الشريعة فقد قدم ذبائح كثيرة ، من رعى الوصايا فقد ذبح ذبيحة الخلاص ، ومن أقلع عن الإثم فقد ذبح ذبيحة الخطية وكفر ذنوبه ، من قدم السميذ فقد وفى بالشكر ، ومن تصدق فقد ذبح ذبيحة الحمد ، مرضاة الرب الإقلاع عن الشرّ ، وتكفير الذنوب الرجوع عن الإثم ، لا تحضر أمام الرب فارغاً فأن هذه كلها تُجري طاعة للوصية ، تقدمة الصديق تُدَسمُ المذبح ورائحتها طيبة أمام العلي ، ذبيحة الرجل الصديق مرضية وذكرها لا يُنسى ، مجد الرب عن قُرَّة عين ولا تُنقص من بواكير يديك " ( سيراخ 35: 1 – 10 )
وهذا التيار الروحي الأصيل يشجب التقوى السطحية القائمة على المصلحة التي تقوم على كبرياء القلب وطلب مديح الناس ، أو مخالفة الوصية التي هي حياة النفس ، وقد أثار في النهاية هذا المنهج الروحي الأصيل ، جدلاً حول الطقوس ذاتها التي أدت لمقاومة الأنبياء ورفض صوت الله على أفواههم ، لأن الكثيرين فضلوا الشكل عن الجوهر لأجل كبرياء القلب ومديح الناس ، وكان الأنبياء في هذا كله بمثابة الممهدين للعهد الجديد بشأن جوهر الذبيحة وفعلها الحقيقي وليس الشكلي في مجرد طقس مقدم في عبادة شكلية …
مع أن الكثيرين اليوم عادوا لنفس الفعل القديم لليهود الذين أُصيبوا بالعبادة الشكلية لأجل مديح الناس ولم يطيعوا وصية الله من قلب محباً له ، فليتنا ندقق في هذا الجزء لأنه يخصنا بالدرجة الأولى …

